الرئيسة/  مقالات وتحليلات

صـراع الــدول الكــبرى والحرب الدائرة على إيران

نشر بتاريخ: 2026-03-10 الساعة: 23:39


الكاتب: علي الجرباوي


منذ اندلاع الحرب الحالية على إيران، كثُرت التساؤلات والتكهنات – ناهيك عن التمنيات والتذمرات - حول الدور المحتمل لكل من الصين وروسيا، وإن كان أي منهما سيتدخل بشكل مباشر فيها، خصوصاً أن إيران تُعتبر حليفة لكلا الدولتين الكبريين، وأن للحرب أهدافاً أميركية تطالهما، وأن المتوقع منهما في ظل الصراع الدائر حالياً بين القوى الكبرى على إعادة تشكيل النظام الدولي، أن تقوما بمواجهة جدّية ومباشرة لمساعي أميركا تثبيت هيمنتها المتفردة على العالم. ومع غياب مؤشرات تدلّ على إمكانية التدخل المباشر للصين أو روسيا لإسناد الحليفة إيران، تتصاعد من هنا وهناك نبرة إحباطٍ لما يعتبره منتقدون تخاذلاً من هاتين الدولتين، وتشكيكاً ليس فقط بنوايا كلٍ منهما، وإنما أيضاً لمزاً بقدرتهما الفعلية على مواجهة أميركا.
للإسهام بالنقاش الدائر حالياً حول الدور المتوقع من الصين وروسيا في هذه الحرب، يمكن بالاستناد إلى تاريخ العلاقات الدولية والصراع بين القوى الكبرى، تقديم استنتاجٍ بأن الدولتين ستحجمان، على الأغلب، عن الانجرار للمواجهة المباشرة مع أميركا، وستقصُران مشاركتهما على توفير جوانب إسناد محددة لإيران، ليس ضعفاً للرغبة أو إيذاناً بعدم قدرة فعلية، وإنما نتيجةً واعيةً ومدرِكة لحساباتٍ جادة لصراع الدول الكبرى. باختصار، إن ما تقوم به الصين وروسيا حالياً لا يخرج عن النمط التقليدي لتاريخ صراع الدول الكبرى.
***
للتفنيد المختصَر يجدر التنويه بالنقاط التالية:
أولاً، إن استقرار النظام الدولي يقوم على مبدأ توازن القوى. حتى الحرب العالمية الأولى تحقق هذا الاستقرار بصيغة التعددية القطبية بين دول كبرى أوروبية، ثم انهار وتحوّل بعد الحرب العالمية الثانية إلى استقرار مرتكِز على ثنائية القطبية بين أميركا والاتحاد السوفياتي. اختل المبدأ بانهيار الاتحاد السوفياتي، وتحوُّل النظام الدولي إلى أحادي القطبية، تقبع على قمته أميركا دولة عظمى متفردة ومهيمنة على الشؤون الدولية. ومع أن القوة تتجمع عند الدولة العظمى في النظام أحادي القطبية، إلا أن النظام يخسر استقراره بفعل نمو صراع بين هذه الدولة التي تحاول الحفاظ على هيمنتها المتفردة وإقصاء غيرها من القوى الأخرى من المشاركة، والدول الكبرى التي تسعى إلى تعزيز مكانتها ودورها وتغيير معادلة القوة المهدورة لصالح الدولة العظمى. باختصار، تسعى هذه الدول، كلٌ بطريقتها، لإقامة توازن قوى جديد يحوِّل النظام الدولي من أحادي القطبية إلى ثنائية أو تعددية قطبية.
ثانياً، منذ انهيار ثنائية القطبية الدولية مطلع تسعينيات القرن الماضي، تواجدت دولتان كُبريان مع الدولة العظمى، أميركا، هما روسيا والصين، مرشحتان لمقارعتها على النفوذ والسيطرة على الصعيد الدولي. كانت روسيا دولة كبرى بفعل مخزونها المكافئ لأميركا من السلاح النووي. ولكن يجدر الانتباه أنها بقيت ضعيفة في قوتها الاقتصادية النسبية مقارنةً بأميركا والصين، وجاهدت منذ مطلع الألفية الثالثة لتوطيد مكانتها الإقليمية، وهي تحاول صدّ تمدد حلف الأطلسي في محيطها الحيوي، حتى بدأت في مواجهته عسكرياً في أوكرانيا. أما الصين، فقامت بعد تبني مبدأ "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية" أواخر سبعينيات القرن الماضي، بتحرير اقتصادها، ما أدى إلى بداية رحلة صعودها كقوة اقتصادية كبرى في العالم، حتى أضحت حالياً صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تنافس الولايات المتحدة على المكانة الأولى.
ثالثاً، لا تستطيع الدولة الكبرى إطلاق منافسة جادة مع الدولة العظمى لإنهاء احتكارها للقوة وهيمنتها العالمية، إلا بعد أن تتمكن من تحقيق هيمنتها على إقليمها. فالدول الإقليمية الكبرى هي الوحيدة القادرة على تشكيل خطر على استمرار هيمنة الدولة العظمى. والسيطرة على الإقليم تتحقق للدولة الكبرى عندما تتمكن من تحقيق فائض اقتصادي مستمر يتحوّل بشكل انسيابي لبناء قدرتها العسكرية المتفوقة على جاراتها الإقليمية. من بين الدول الكبرى الموجودة حالياً، كالصين وروسيا والهند وألمانيا وبريطانيا واليابان وفرنسا والبرازيل، لا يوجد سوى دولتين تتسمان بسمة القوى الإقليمية الكبرى، هما الصين وروسيا. الصين تعزز سيطرتها على بحري الصين الجنوبي والشمالي، بينما توطد روسيا مكانتها في أوراسيا. السيطرة على الإقليم والهيمنة على جيرانها هي ركيزة انطلاق القوة الإقليمية الكبرى نحو توسيع نفوذها وسيطرتها العالمية. هذا ما قامت به أميركا في السابق عندما بسطت هيمنتها المطلقة على محيطها الغربي في الأميركيتين، وانطلقت بعد ذلك لتوسيع نطاق نفوذها وسيطرتها العالمية. وهذا ما تقوم به الصين حالياً في الانتقال عبر "مبادرة الحزام والطريق" لتوسيع نطاق نفوذها وسيطرتها الإقليمية لتشمل مناطق متعددة في العالم. أما روسيا فتبقى الأضعف بين القوى الثلاث لضعف قدراتها الاقتصادية مقارنة معهما، وهو ما يفسر محدودية قدرتها على توسيع نطاق نفوذها خارج إقليمها.
رابعاً، أثناء مرحلة صعودها الإقليمي والدولي، ولكي لا تُمنى بخسارة مبكرة، تنأى الدول الإقليمية الكبرى بنفسها عن الدخول في مواجهة مباشرة، وبالتحديد مواجهة عسكرية، مع الدولة العظمى، بل تعمد إلى اتّباع المواجهة غير المباشرة، باعتماد الوسائل الدبلوماسية والسياسية والناعمة، إلى جانب تقديم الدعم المبطّن للقوى الأخرى المناوئة للدولة العظمى، وذلك سعياً لاستنزاف طاقة هذه الدولة وإضعافها تدريجياً. لتحقيق ذلك، تعمد هذه الدول، وخصوصاً الصين حالياً في مواجهتها مع أميركا، إلى انتهاج سياسة توريط الدولة العظمى. تقوم هذه السياسة بتحميل كامل مسؤولية الشؤون الدولية لتقع على عاتق الدولة العظمى، بحيث تعلق هذه الدولة، حفاظاً على مكانتها المتفردة، في خضم دائرة متابعة كل ما يطرأ في العالم من توترات ومنازعات، والانخراط النشط في محاولة ضبط سياقاتها لضمان استمرار هيمنة نفوذها وسيطرتها التي تتعرض باطرادٍ للتآكل. هذا يتطلب منها ضرورة تمدد مدى قوتها وتوسيع انتشار وجودها العسكري في أرجاء العالم (لأميركا حالياً حوالى 800 قاعدة عسكرية منتشرة في أرجاء العالم). يؤدي تمدد قوة الدولة العظمى خارجياً إلى ثلاثة أمور تصب في مصلحة الدول الإقليمية الكبرى المتصارعة معها. من ناحية، يستنزف لها فائض قوتها الاقتصادية لاستمرار توفير الدعم لتمدد قوتها خارجياً، ويقلص بالمقابل قدرتها على تمويل متطلباتها الداخلية، ما ينتج عنه تضرر اقتصادها، وإضعاف إنتاجيتها، وزيادة مديونتها العامة، وارتفاع مستوى التذمر والصراع والتفتت في النسيج الاجتماعي الداخلي جرّاء ذلك. من ناحية أخرى، يؤدي تصاعد منسوب التحديات التي تواجهها الدولة العظمى خارجياً إلى تحوُّل تدريجي في سياستها الخارجية من اتّباع مسار يقوم على جذب الدول الأخرى عبر الإقناع بالوسائل الدبلوماسية والناعمة، إلى انتهاج مسار خشن يتمثّل بفرض ضرورة الانصياع. هذا يؤدي بالدولة العظمى إلى التورط في نزاعات وحروب خارجية مكلفة مادياً ومستنزِفة معنوياً، ويجعلها عرضة للإمعان في ارتكاب الأخطاء (حرب أفغانستان، حرب العراق، الحرب على غزة، حرب إيران). من ناحية ثالثة، تزيد السياسة الخشنة للدولة العظمى وارتكابها للأخطاء من رفع منسوب التذمر والعداء تجاهها من جهات متزايدة في العالم، لتزداد مع الوقت عزلتها الدولية. كل ذلك يتم والدول الكبرى الإقليمية ترصد بترقُّب منحنى تآكل قوة الدولة العظمى، والتراجع المستمر في مقدار نفوذها وهيمنتها العالمية، وتعمل بهدوء وتروي على استثمار ذلك في تنمية واثقة لصعودها البديل.
***
في الصراع بين الدول الكبرى، وبالتحديد عندما يوجد اختلال واضح في ميزان القوى، تتحاشى الدول الإقليمية الكبرى خوض مواجهة مباشرة مع الدولة العظمى. هذا لا يعني على الإطلاق أنها تستسلم لهيمنة تلك الدولة، بل تعمل جاهدة على تقويض مكانتها بانتهاج سبلٍ غير مباشرة. تعلم هذه الدول أن المواجهة المباشرة مع الدولة العظمى، قبل تمكّنها من توطيد دعائم قوتها الإقليمية والدولية قد يعود عليها بخسارة قد تكون فارقة في تحجيم مسار صعودها. فتحقيق الانتصار في النزال مع الدولة العظمى، بالنسبة لها، لا يتحقق بالفوز بالضربة القاضية، بل بتراكم النقاط. تقوم الصين منذ بداية صعودها، وخصوصاً منذ مطلع الألفية الحالية، بتجميع النقاط، وهي ليست على استعجال، إذ أعلنت منذ سنوات أنها ستكون في العام 2049 (ذكرى مئوية وصول الحزب الشيوعي الصيني للحكم) قوة أولى على قمة النظام الدولي. وفي حين تكافح روسيا لتأمين مكانة لائقة لها في النظام الدولي المتحوِّل حالياً، فإن الولايات المتحدة تزداد غطرسة وعنجهية وارتكاب المزيد من الأخطاء وهي تحاول قدر المستطاع تأخير، إن لم يكن منع، الانهيار.        

mat
Developed by: MONGID | Software House الحقوق محفوظة مفوضية الإعلام والثقافة © 2026